أبو الصلاح الحلبي

273

الكافي في الفقه

وأيضا فإن وجوب التحرز من الضرر يقتضي وجوب التحرز من الأعظم بالأقل ، وذلك يقتضي صبره على ضرر القتل ليدفع به عظيم ضرر عقاب القبيح لانغماره في جنبه . وأيضا فكما نعلم وجوب التحرز من الضرر نعلم وجوب تحمل الضرر لاجتلاب ما زاد عليه من النفع ، فالقتل وإن كان ضررا ففي مقابلته نفع يوازيه وهو العوض المستحق على القاتل ، ونفع عظيم وهو الثواب على اجتناب القبيح وتحمل ألم القتل وذلك مقتض لوجوبهما . إن قيل : تراكم قد فصلتم بين فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين سائر الشرعيات لسقوط فرضهما بخوف أدنى ضرر ولزوم فرض الشرعيات مع كل ضرر دون النفس ، فما الوجه في ذلك ؟ قيل : لا يجوز حمل الفرائض الشرعية بعض ( 1 ) على بعض في لزوم أو سقوط ، لكونها معلقة بما يعلم ( 2 ) سبحانه للمكلف من الصلاح المختص بزمان دون زمان ، وبشرط دون شرط ، وبمكلف دون مكلف ، بل يجب الحكم لكل منها بحسب ما قرره الشرع ، وقد علمنا بإجماع الأمة وقوف فرض الأمر والنهي على الشروط التي بيناها وتميز الشرعيات منه ووجوبها من دون ذلك ، فلا يصح الجمع بين التكليفين مع وضوح التعبد بفرقان ما بينهما . وأيضا فإن المقصود من الأمر والنهي مع ما فيه من لطف الأمر والناهي وقوع الواجب من الغير وارتفاع القبيح ، فإذا صار سببا لوقوع القبيح منه قبح فعلهما من حيث قبح من المكلف إيثار القبيح لأن لا يختاره غيره ، كما يقبح دفع الضرر عن الغير بإدخاله على أنفسنا .

--> ( 1 ) كذا . ( 2 ) كان في الأصل : بما يعظم ، والظاهر ما أثبتناه .